فخر الدين الرازي
73
المطالب العالية من العلم الإلهي
الفصل الحادي عشر في الطعن في التواتر قالوا : إنا ما « 1 » رأينا شيئا من هذه المعجزات . ولكننا سمعنا من جماعة أنهم قالوا : سمعنا من أقوام آخرين . وهكذا ، على هذا الترتيب إلى أن اتصل هذا الخبر بأقوام ، زعموا : أنهم شاهدوا هذه المعجزات . ونحن لا نسلم أن مثل هذا الخبر يفيد اليقين التام . والذي يدل عليه وجوه : الشبهة الأولى : إن خبر التواتر حاصل في صور كثيرة ، مع أنكم تحكمون بكونها كذبا . وذلك يقدح في كون التواتر مفيدا للعلم .
--> ( 1 ) من نصوص التوراة : « فريضة أبدية » [ خروج 12 : 14 ] . ومن نصوص التوراة : « بناموس أوصانا موسى ، ميراثا لجماعة يعقوب » [ تثنية 33 : 4 ] « احفظ واسمع جميع هذه الكلمات التي أنا أوصيك بها ، لكي يكون لك ولأولادك من بعدك خير إلى الأبد ، إذا عملت الصالح والحق في عيني الرب إلهك » [ تثنية 12 : 28 ] . واعلم . أن لفظ « الأبد » في لغة التوراة . لا يعني زمانا بلا نهاية . وإنما يعني زمانا طويلا إلى مدة . وعلى سبيل المثال . فإن في التوراة أن الرجل إذا اشترى عبدا من جنس إسرائيل يعتقه في السنة السابعة من شرائه وكذلك الجارية فإن أبى العبد أو أبت الجارية « فخذ المخرز واجعله في أذنه وفي الباب ، فيكون لك عبدا مؤيدا » [ تثنية 15 : 17 ] وهذا التأييد إلى سنة الخمسين - وتسمى سنة اليوبيل - فإنها إذا جاءت لا بد من الإعتاق ، وإن لم يرض العبد بالحرية ، وإن لم ترض الجارية بالحرية . فلا بد من الإعتاق . ونص التوراة هو : « وتقدسون السنة الخمسين وتنادون بالعتق في الأرض لجميع سكانها » [ خروج 25 : 10 ] ومن هذا نعلم أن لفظ الأبد محدد بمدة . ومعنى أن شريعة التوراة إلى الأبد ؛ أي إلى مجيء النبي المنتظر المشار إليه في الأصحاح الثامن عشر من سفر التثنية .